يحيي بن حمزة العلوي اليمني

98

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

طريق الاستعارة قلت رأيت أسدا ، وإن أردت طريقة التشبيه فإنك تقول زيد كالأسد ، وإن جئت بطريق الكناية قلت فلان يكفل الأبطال برمحه ، وإن أردت أن تصفه بالكرم ، قلت رأيت بحرا على جهة الاستعارة ، وهو كالبحر بطريق التشبيه ، أو فلان تتراكم أمواجه ، بجعله كناية عن جوده وسخائه . تنبيه إياك أن يعتريك الوهم ، أو يستولى على قلبك غفلة ، فتظن أنا لما قلنا إن الألفاظ دالة على المعاني فتعتقد من أجل ذلك أن المعاني تابعة للألفاظ ، وأنها مؤسسة عليها ، فهذا وأمثاله خيال باطل وتوهم فاسد فإن الألفاظ في أنفسها هي التابعة للمعاني ، وأن المعاني هي السابقة بالتقرير والثبوت ، والألفاظ تابعة لها ، ولنضرب لما ذكرناه مثالا يصدق ما قلنا في المفردة منها والمركبة فنقول : أما المفردة فلأنك إذا رأيت سوادا على بعد فظننته حجرا فإنك تسميه حجرا ، وإن دنوت منه قليلا وسبق إلى فهمك أنه شجر فإنك تسميه شجرا ، فإذا دنوت منه وتحققت حاله رجلا فإنك تسميه رجلا ، فاختلاف هذه الأسامى يدل على اختلاف تلك الحقيقة وما يفهم منها من الصور المدركة . وأما المركبة فلأنك إذا رأيت رجلا من بعيد ولا تدرى حاله أهو قائم أم قاعد أم مضطجع ، فإنك إذا دنوت إليه فعلى حسب ما يسبق إلى فهمك من حالته تصفه بتلك الحالة ، ولا يزال الوصف يتغير حتى يستقر الوصف على واحد منها ، وهذا يدلك على أن الألفاظ تابعة للمعاني المفردة والمركبة كما أشرنا إليه ، ولهذا فإنك تطلق العبارات على وفق ما يقع في نفسك من الحقائق والمعاني من غير مخالفة . دقيقة اعلم أن المعاني بالإضافة إلى كيفية حصولها من أهل البلاغة والفصحاء على ثلاث مراتب . المرتبة الأولى أن يكون مقتضيها على جهة الابتداء من نفسه من غير أن يكون مقتديا بمن قبله ، ويكون ذلك على ما يعرض من مشاهدة الحال ، وما يعرض من الأمور الحادثة .